السيد صدر الدين الصدر العاملي

170

المهدي ( ع )

إذا كان الاعتزال وترك الدعوة تأديبا للأمّة وتنبيها لهم تكون مصلحتهم فيه وإن كانوا لا يعلمون وخيرهم في ذلك وإن كانوا لا يشعرون . هذا الاعتزال وترك الدعوة لا حدّ له ، ولا أمد معيّن ، ولا يمكن أن يقال في تحديده شيء ، بل حدّه وأمده رجوع القوم عن غيّهم إلى رشدهم ، ويقظتهم بعد رقدتهم ، وتنبّههم بعد غفلتهم والتفاتهم إلى ما يترتّب على وجود الرسول أو الإمام بين أظهرهم . والتأريخ يخبرنا عمّا لاقى أهل بيت الوحي والرسالة وآل محمّد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام من أنواع الأذى والشدّة ، وعدم قيام الأمّة بواجب حقّهم الذي جعله اللّه أجر الرسالة . نعم ، لم يزالوا في ضغط وعناء وشدّة وبلاء من أسر وقتل وحبس وصلب وتشريد وتطريد ونفي عن الأوطان وتبعيد . المهديّ المنتظر أحاط بجميع ذلك خبرا وعلما ، وعلم أنّ هذه الخطّة ستكون بالنسبة إليه ، بل أشدّ وأعظم وأدهى وأمرّ لما علموا من مبدئه ، وأنّه يقول بالخروج بالسيف ، فاعتزل ناحية ، وألقى حبلها على غاربها ؛ لعلمه أنّها ستعامله معاملة آبائه وأجداده الكرام وبني أعمامه وأقربائه ، وليس غرضه إلّا التأديب والتنبيه ، ورجوعها إلى رشدها ، وإدراكها واجب حقّه ، والفوائد المترتّبه عليه . « علل الشرائع » العطّار عن أبيه ، عن الأشعري ، عن أحمد ابن الحسين بن عمر بن محمّد بن عبد اللّه ، عن مروان الأنباري ، قال : خرج من أبي جعفر عليه السّلام : « أنّ اللّه إذا كره لنا جوار قوم نزعنا من بين أظهرهم » « 1 » . الحديث . الثاني : الحرّية في الدعوة والاستقلال بالأمر كلّ من يقوم بالإصلاح أعمّ من أن يكون دنيويّا أو دينيّا لا بدّ له من أعوان وأنصار وعقد عهود ومواثيق مع بعض الأقوياء ؛ لإعانتهم له أو سكوتهم عنه ، ولازم هذا العقد

--> ( 1 ) . علل الشرائع ، ص 244 ، باب 179 .